ابن عجيبة

564

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الحسنات خاص في السيئات ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما اجتنبت الكبائر » ، ثم قال : وروى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الجمعة إلى الجمعة كفّارة ، والصّلوات الخمس ، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر » « 1 » انظر تمامه في الحاشية . قال ابن جزى : روى أن رجلا قبّل امرأة ، [ قلت : هو نبهان التمار ] ، فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصلّى معه الصلاة ، فنزلت الآية ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين السائل ؟ » فقال : ها أنا ذا ، فقال : « قد غفر اللّه لك بصلاتك معنا » . فقال الرجل : ألي خاصّة ، أو للمسلمين عامّة ؟ فقال : « للمسلمين عامّة » « 2 » . والآية على هذا مدنية . وقيل : إن الآية كانت قبل ذلك ، وذكرها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للرجل مستدلا بها . والآية على هذا مكية كسائر السورة ، وإنما تذهب الحسنات - عند الجمهور - الصغائر إذا اجتنبت الكبائر . ه . قلت : وقيل : تكفر مطلقا ؛ اجتنبت الكبائر أم لا ، وهو الظاهر ، لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب ؛ لقوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ . . . . « 3 » الآية . وقوله عليه الصلاة والسلام : « ما اجتنبت الكبائر » . معناه : أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر . والحاصل : أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب ؛ لنص الآية . ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى ، كفرت الصغائر دون الكبائر ، وبهذا تتفق الآية مع الحديث . واللّه تعالى أعلم . قال ابن عطية في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى . . . « 4 » الآية : الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد . وقد روى : « أن اللّه يتحمل عن الشهيد مظالم العباد ، ويجازيهم عنه » . ختم اللّه لنا بالحسنى . انتهى . ذلِكَ أي : ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد ، وأمر الاستقامة ، أو القرآن كله ، ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ : عظة للمتقين . وخص الذاكرين ؛ لمزيد انتفاعهم بالوعظ ، لصقالة قلوبهم . وفي الخبر : « لكل شئ مصقلة ، ومصقلة القلوب ذكر اللّه » . وَاصْبِرْ على مشاق الاستقامة ، ودوامها فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وهم : أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا . الإشارة : الاستقامة على ثلاثة أقسام : استقامة الجوارح ، واستقامة القلوب ، واستقامة الأرواح والأسرار . أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى ، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية . وأما استقامة القلوب

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : ( الطهارة ، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة . . مكفرات ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( التفسير ، سورة هود ) ومسلم في ( التوبة ، باب قوله : إن الحسنات يذهبن السيئات ) من حديث ابن مسعود - رضى اللّه عنه . أما قول المفسر : [ هو نبهان التمار ) فقد جاء في سياق آخر ، للثعلبي في تفسيره ، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 8 / 207 : وهذا إن ثبت حمل على واقعة أخرى ، لما بين السياق من المغايرة . ( 3 ) من الآية : 31 من سورة النساء . ( 4 ) من الآية : 111 من سورة التوبة .